كتب مركز التقدم للسياسات تقييمًا سياسيًا حول موقف مصر من التحالف البحري متعدد الجنسيات الذي أعلنت السعودية قيادته، مشيرًا إلى أن القاهرة أبدت تحفظات بشأن المشاركة رغم توقيعها بيانًا مشتركًا يدعم المبادرة. ويطرح هذا الموقف تساؤلات حول دوافع التحفظ المصري وأبعاده الاستراتيجية، خصوصًا في ظل العلاقات الوثيقة بين القاهرة والرياض، والتنسيق العسكري والأمني المستمر، والمصالح المشتركة في تأمين البحر الأحمر.


ونشر مركز التقدم للسياسات تقييمه بعد أيام من إعلان السعودية في 30 يوليو تشكيل «التحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري» بمشاركة 14 دولة في بيان داعم، من بينها مصر. ويأتي ذلك في وقت كشفت فيه وسائل إعلام مصرية قريبة من دوائر صنع القرار عن تحفظات القاهرة بشأن المشاركة، بينما أشارت مصادر رسمية مصرية إلى أن مسألة المشاركة لا تزال قيد الدراسة والتقييم، في انتظار مراجعة الجوانب القانونية والدستورية والحصول على موافقة البرلمان.


التحالف البحري السعودي وموقف مصر المتحفظ


أُعلن في الرياض، في 30 يوليو 2026، عن «التحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري»، بحضور رؤساء أركان من 43 دولة. وأصدرت 14 دولة بيانًا مشتركًا داعمًا للمبادرة، من بينها مصر، بينما حدد الإعلان السعودية باعتبارها الدولة المؤسسة والقائدة والمستضيفة لمقر التحالف وقيادته المشتركة ومركز عملياته البحرية وأمانته العامة.


وأكد البيان أن التحالف ذو طبيعة دفاعية بحتة، ولا يستهدف أي دولة، ويهدف إلى تعزيز الأمن البحري وحماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.


وأفادت وسائل إعلام مصرية رسمية في 2 أغسطس بأن «مصدرًا مطلعًا» قال إن مشاركة مصر «لا تزال قيد الدراسة والتقييم»، في انتظار مراجعة الجوانب القانونية والدستورية والحصول على موافقة البرلمان.


وكشفت مصادر مصرية في 3 أغسطس عن أبرز التحفظات بشأن المشاركة، وفي مقدمتها تجنب الانخراط في عمليات عسكرية خارج البلاد لا ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري، وتفضيل الحلول الدبلوماسية والتنسيق الأمني، إلى جانب الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف مختلفة بما يتيح للقاهرة مواصلة أداء دور الوسيط.


وأكدت مصادر في 4 أغسطس أن توقيع البيان لا يعني الانضمام النهائي إلى التحالف، في انتظار استكمال الإجراءات الوطنية اللازمة.


وفي سبتمبر 2025، وقعت مصر والسعودية بروتوكولًا للتعاون البحري، أعقبه إجراء مناورات «الموج الأحمر 8». ويرى خبراء أن مشاركة مصر ستعزز فاعلية التحالف بالنظر إلى موقعها عند مدخل قناة السويس وقدراتها البحرية، بينما قد يؤدي غيابها إلى تقليص شمولية التحالف وخلق فجوة في التنسيق.


وترى مصادر دبلوماسية أن القاهرة قد ترفع تحفظاتها إذا اتضحت الطبيعة الدفاعية المحدودة للتحالف، أو تصاعدت التهديدات التي تواجه الملاحة وإيرادات قناة السويس، أو حصلت مصر على دور مؤثر في صياغة آليات التحالف وصنع القرار داخله.


لماذا تتحفظ مصر على التحالف البحري؟


يبرز في الموقف المصري ما يبدو تناقضًا بين توقيع البيان المشترك في 30 يوليو والتصريحات اللاحقة التي أكدت أن المشاركة «لا تزال قيد الدراسة». وقد يشير ذلك إلى أن التوقيع عكس تقديرًا سياسيًا أو مبدئيًا لم يستكمل بعد الإجراءات الدستورية والقانونية، أو أن القاهرة تعمدت التوقيع كبادرة حسن نية تجاه الرياض مع الاحتفاظ بحقها في الانسحاب أو الحد من التزاماتها.


ويعكس اعتماد القاهرة على «مصادر مطلعة» لنقل تحفظاتها، بدلًا من إصدار موقف رسمي واضح عن الحكومة أو وزارة الخارجية، حرصها على عدم إحراج السعودية أو الظهور بموقف معادٍ للمبادرة، مع الاحتفاظ بهامش يسمح بتغيير الموقف وفقًا لتطورات الأوضاع على الأرض.


وينسجم هذا النهج مع نمط أوسع في السياسة الخارجية المصرية، يميل إلى المرونة والحذر في الملفات الحساسة، ويتجنب الالتزامات المبكرة قبل اتضاح الصورة الكاملة.


وتستند حسابات مصر الجيوسياسية إلى ثلاثة محددات رئيسية. يرتبط المحدد الأول بعقيدة عدم توسيع الالتزامات العسكرية الخارجية، إذ تعتمد السياسة المصرية منذ عقود على تجنب التورط في عمليات عسكرية خارجية إلا عندما ترتبط بصورة مباشرة بالأمن القومي المصري. ولا يمثل ذلك مبدأ جديدًا، بل امتدادًا لنهج راسخ يتجنب توسيع دائرة الصراع أو استنزاف القدرات العسكرية في أزمات إقليمية لا تشكل أولوية مباشرة للقاهرة.


وسبق أن ظهر هذا النهج في رفض مصر الانضمام إلى تحالف «حارس الازدهار» رغم الضغوط الغربية، إلى جانب التزامها بسياسة الحياد الإيجابي في عدد من الصراعات الإقليمية.


ويرتبط المحدد الثاني بالحفاظ على المرونة في العلاقات مع إيران وقنوات الاتصال معها. ففي ظل التصعيد الإيراني الإقليمي، تحافظ مصر على قنوات اتصال مع طهران وجماعة الحوثيين، بما يمنحها إمكانية أداء دور الوسيط، أو على الأقل الاحتفاظ بهامش للمناورة الدبلوماسية.


وقد يؤدي الانضمام إلى تحالف يمكن تفسيره باعتباره تحركًا تصادميًا تجاه إيران إلى إغلاق هذه القنوات والحد من قدرة القاهرة على الوساطة في الأزمات الإقليمية، خصوصًا في اليمن وغزة ولبنان، حيث تؤدي مصر أدوارًا دبلوماسية نشطة. ومن هنا يمكن فهم تشديد المصادر المصرية على ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف لضمان استمرار القدرة على الوساطة.


أما المحدد الثالث فيتعلق بحماية إيرادات قناة السويس. وتمثل القناة شريانًا اقتصاديًا حيويًا لمصر، بينما قد يؤدي أي تصعيد عسكري في البحر الأحمر إلى الإضرار بحركة الملاحة وإيرادات القناة، سواء عبر استهداف السفن أو ارتفاع تكاليف التأمين أو تغيير مسارات الشحن.


ومن هذا المنظور، تكمن المصلحة المصرية الأساسية في تحقيق الاستقرار الإقليمي وضمان حرية الملاحة بأقل تكلفة سياسية وعسكرية ممكنة، وليس في الاصطفاف العسكري مع طرف ضد آخر. ويفسر ذلك تفضيل القاهرة الحلول الدبلوماسية والتنسيق الأمني على الدخول في تحالف عسكري صريح.


علاقة مصر بالسعودية ودور القاهرة في البحر الأحمر


لا يمكن قراءة التحفظ المصري بمعزل عن طبيعة العلاقة بين القاهرة والرياض. إذ تحرص مصر على الحفاظ على استقلالية قرارها السيادي، وتجنب الارتباط التلقائي بعمليات قد تتجاوز إطار التعاون الثنائي بين البلدين.


ورغم تقدير القاهرة لعمق الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، فإنها تفضل التعاون ضمن إطار ثنائي أو من خلال آليات جامعة الدول العربية التي تحظى بتوافق أوسع، بدلًا من الانضمام إلى تحالف تقوده دولة واحدة، حتى وإن كانت هذه الدولة شريكة وحليفة لمصر.


وينسجم ذلك مع تحليلات ترى أن التحفظ المصري قد يعكس عدم ارتياح تجاه الدور القيادي السعودي المنفرد في ملف يمس مصالح مصر الحيوية، خصوصًا أن القاهرة تنظر إلى نفسها باعتبارها طرفًا رئيسيًا في أمن البحر الأحمر بحكم موقعها كدولة مطلة عليه وامتلاكها قناة السويس، ومن ثم ترى أن دورها داخل أي ترتيبات أمنية بحرية ينبغي أن يكون مؤثرًا وليس تابعًا.


وقد يشكل منح مصر دورًا مؤسسيًا حقيقيًا في التحالف وآليات صنع القرار داخله مفتاحًا رئيسيًا لتغيير موقفها.


ويعكس التحفظ المصري استمرارًا في نهج السياسة الخارجية للقاهرة، القائم على استقلال القرار السيادي، وتجنب التورط العسكري المباشر في الصراعات الإقليمية، وإعطاء الأولوية للدبلوماسية والوساطة. كما يرتبط الموقف بحسابات دقيقة لحماية إيرادات قناة السويس، والحفاظ على قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، وتجنب الظهور باعتبار مصر جزءًا من محور صدامي واضح ضد إيران.


ولا يبدو التحفظ الحالي حاسمًا بالقدر نفسه الذي اتسمت به مواقف مصر السابقة من تحالفات قادتها دول غربية، بل يبدو أقرب إلى ورقة تفاوضية منه إلى رفض صريح. ويشير استخدام عبارة «قيد الدراسة» إلى حرص القاهرة على عدم إغلاق الباب أمام إمكانية الانضمام إذا تحسنت الظروف أو فرضت التطورات الإقليمية ذلك.


كما يعكس غياب موقف رسمي واضح والاعتماد على «مصادر مطلعة» رغبة القاهرة في تجنب اتخاذ موقف نهائي قد يؤثر سلبًا في علاقاتها مع السعودية والدول الموقعة على البيان، مع الاحتفاظ بهامش واسع للمناورة.

 

ومن المرجح أن يظل الموقف المصري قيد التقييم لبعض الوقت، في انتظار اتضاح طبيعة التحالف وآليات عمله ومدى الدور المؤسسي الذي يمكن أن تحصل عليه القاهرة داخله. وإذا تحققت هذه الشروط، فقد يتغير الموقف المصري تدريجيًا، لا سيما إذا أدى التصعيد الميداني إلى تهديد المصالح المصرية بصورة مباشرة.

 

https://www.arabprogress.org/en/amp/egypt-and-the-saudi-led-naval-coalition-examining-the-grounds-for-reservation-and-its-strategic-dimensions/